بلد أم جديد و جميل

 

لماذا ينجح الإندماج في بعض الحالات ويفشل في حالات أخرى؟ قمنا بزيارة شخصين لديهم قصتين مختلفتين تماماً مع الإندماج. دنيا بصل من جلدغن و محمد بكري من مانهايم.

 

محمد بكري عصبي, وهو متشنج يشبك أصابعه فوق الكرسي الذي يجلس عليه, مرارا وتكرارا يجول بصره في أرجاء الغرفة. اليوم سيتم تقرير فيما إذا كان يمكن لأب العائلة البالغ من العمر 32 عاما من باكستان العودة إلى بلده في نهاية المطاف. مرة أخرى في منزله بين طفليه وزوجته في قرية صغيرة في جنوب غرب باكستان التي تبعد أكثر من 5000 كيلو متر من مدينة مانهايم. ” ألمانيا لم تصبح بيتي الجديد, كما أنني لم أحصل على فرصة للإندماج.” قال بصوت  منخفض يبدو عليه خيبة الأمل والخجل.

لجأ محمد بكري إلى ألمانيا قبل ست سنوات مع توقعات و أحلام كبيرة. هدفه: تأسيس حياته هنا و العمل لرعاية أسرته مادياً. لهذا قد ضحى بكل المدخرات لحجز تذكرة طيران إلى روما. كما أنه حصل على مساعدات من القرية بأكملها للحصول على تأشيرة للسفر إلى روما. وكان محمد للاستثمار للحصول على فرصة لحياة أفضل في الأمن والرخاء لكن حلمه لم يتحقق.

بدلا من ذلك وجد محمد بكري نفسه في مأوى للاجئين في مانهايم في ماي 2010 مرة أخرى. كما رفض طلب اللجوء في ألمانيا. و أصبح محمد في وضعية المقبولين, اللذين ليس لهم أي أمل للبقاء في ألمانيا. قد شارك محمد ست سنوات، غرفة صغيرة مع أربعة رجال, حيث يتشاركون جميعهم نفس القدر. لا يحق لمحمد المشاركة في دورات الاندماج أو الحصول على الرعاية النفسية أو العمل. كما لا يمكن أن يتم ترحيله لأن باكستان لا يعتبر بلدا آمنا. “في البداية اعتقدت أن الأمر كان مؤقتا فقط, لكن بعد عامين أدركت أن كل ما قيل في باكستان عن ألمانيا ليس صحيحا. ”

اللغات بالنسبة لدنيا لا تشكل أي مشكلة

بمكان آخر في مكتب صغير في ضواحي جلدرنر في وسط المدينة تجلس امرأة شابة, تتحدث على الهاتف باللغة العربية و الإنجليزية, ثم تعود إلى اللغة الألمانية. تضع الهاتف بين الكتف والرأس و بيدها اليسرى تكتب ملاحظات. ” حسنا، إدا غدا الساعة 12 صباحا في المستشفى.” تقول بلغة  مانية سليمة” ثم تنهي المكالمة و تكتب الملاحظة. بعد دالك تقوم بتوضيب حجابها و تأخد رشفة من القهوة.

ليس فقط الانتظار, بل يجب العمل و المثابرة:

ولدت دنيا بصل في سوريا ودرست في جامعة حلب الأدب الإنجليزي, بعد سنوات من الاضطرابات والحروب وصلت إلى ألمانيا في أبريل 2015, في مدينة جلدرنر الصغيرة و التي تضم 30000 ساكنا وجدت دنيا موطنها الجديد و عملها. منذ العام الماضي، تعتني دنيا في كاريتاس المحلية باللاجئين. في مركز كاريتاس تعمل كوسيطة للغة و الثقافة ومترجمة للوثائق. كما توضح الثقافة الألمانية للاجئين و ترافقهم في مواعيدهم في الإدارات و المستشفيات.

تعتبر دنيا رمزا ناجحا للاجئين الهاربين من حلب, حيث إستطاعت بإرادتها و اجتهادها الإندماج في موطنها الجديد. ” من ينتظر فقط المساعدة من الصعب عليه العثور على موطنه الجديد في المانيا.” قالت دنيا البالغة من العمر 25 سنة. تحاول دنيا أيضا إيصال هده الفكرة للاجئين الجدد و الذين يحاولون بناء مستقبلهم في ألمانيا. ” يفترض الكثيرون أن كل شيء يمكن الحصول عليه بطبق من ذهب و ليس بالإجتهاد, حيث أن الكل ينتظر أن الأخرون سوف يساعدونه, هدا لا يحدث إلا في حالات نادرة.” السبب الرئيسي لعدم إندماج العديد من الناس هو الإرادة. ” العديد من اللاجئين يأتون بتوقعات كاذبة إلى ألمانيا ومن ثم يجدون صعوبة في التأقلم مع الواقع, ومع حقيقة أنها في البداية ليس هناك شيء أفعله سوى الإنتظار, حيث أن اللاجئين الغير معترف بهم قانونيا و الغير الحاصلين على حق العمل ليس لهم أي قيمة في المجتمع.” تابعت الفتاة الشابة.

في طريقها إلى ألمانيا أضاعت كل شئ

عند وصول دنيا إلى جلدرنر قبل عامين, كانت على نفس الحالة. على الرغم من أنها تأتي من عائلة ميسورة, و لديها مستوى دراسي جيد كما تتكلم اللغة العربية و الإنجليزية بطلاقة, لم تستطع فعل أي شيء. حيث باتت تعاني من إكتئاب حاد. ” لقد فقدت كل شيء على الطريق، أموالي، كرامتي، عائلتي.” كما أن هذا الأمر استغرق بعض الوقت حتى تقبلت دنيا هذا الواقع. لأنه يجب عليها البداية من الصفر للتمكن من العيش في ألمانيا. ” في الأسابيع الأولى لم أفعل شيء سوى البكاء, كما أنني فكرت في الإنتحار.” قالت دنيا. بعد هذه الفترة التي شعرت فيها دنيا بالعجز, قررت دنيا بناء مستقبلها بنفسها. ” عندما أخبروني أنه يجب علي إنتظار دورة اللغة ستة أشهر, بدأت بتعلم اللغة الألمانية بنفسي.” بدأت دنيا بالتحدث مع الناس في الشارع و حاولت الترجمة لبعض الناس الغير القادرين على التحدث بالالمانية. “في عملية الترجمة ساعدتني لغتي الإنجليزية بكثرة.” هذا ما صرحت به دنيا التي بعد العديد من الأسابع أصبحت مساعدة طوعية بسكن اللأجئين.

النوم يساعد على نسيان الإحباط:

لقد أعجب محمد بكري بمدينة مانهايم. ” مدينة جميلة – الطقس الجيد، وليس حار جدا.” يقول محمد بكري. يمشي محمد عبر حديقة القصر مرارا و تكرارا. مند سنوات لم يذهب إلى المسجد, كما أنه يقضي معظم وقته في النوم.  حمد ينام من 14 حتى 17 ساعة في اليوم. ” وهذا يساعد على مرور الوقت بسرعة ونسيان أين أتواجد.” قال محمد الذي أضاع كل قدرته و طموحه. جميع محاولته لتعلم اللغة الألمانية باءت بالفشل. كما أنه صرح :” أخشى الاقتراب من الناس.”. من المستحيل أن يتحدث محمد مع شخص غريب, عكس الإقتراب من المجتمع و الإندماج مع الناس, كان يخطو فقط خطوات إلى الوراء, فقط ضل وحيدا و لا يتحدث مع أحد كما أصبح مريضا, يعيش فقط.

“إدا كنت لا تعرف لا القراءة ولا الكتابة, لا تتحدث اللغة الإنجليزية و لا الألمانية, كما أنه لا يمكنك العمل و لم تتعلم أي صنعة, فلا يمكنك أن تندمج.” هدا ما إستنتجه محمد بعد ست سنوات في ألمانيا. لقد تحول حلم محمد في العيش في ظروف أفضل إلى كابوس. “مع مرور الوقت لاحظت أنه ليس من الضروري الإندماج, ما إدا بي لا استطيع العمل و أحصل على المال من الدولة.” كما أن العودة إلى البلد غير ممكن. كما أنني فقدت كرامتي أمام عائلتي, حيث أنه لايمكنني العودة إلى البلد و لايمكنني تحقيق النجاح هنا. ” فأنا هنا لسنوات محاصر.” صرح محمد. كما أن الجالية الباكستانية في منطقة راين نيكار لم تتمكن من أن تساعده. على العكس من ذلك، من خلال الاتصال مع أبناء بلده خسر في نهاية أي أمل في العثور على وظيفة عادية.

“إستطاع أبناء بلدي العثور على عمل لي في البناء, لكن هدا كان غير قانوني أي عمل أسود.” عد عدة أيام تمت مراقبة موقع البناء, تم القبض على محمد و تحولت فرصته في الحصول على العمل العادي غير موجودة. في صيف 2015 وصلت إلى ألمانيا ألاف الاجئين قرر محمد مغادرة ألمانيا؟ ” عندما رأيت كيف فجأة  اعد الآخرين الاجئين القادمين من سوريا وأفغانستان وأفريقيا، جعلني حزينا. بعد كل شيء، كنت أقاتل فقط للبقاء على قيد الحياة.” كما شعر محمد بالتهميش: “ست سنوات كنت ميتا بالنسبة للعالم – لدرجة أنني في كثير من الأحيان كنت أشك إدا ما يراني أحد.”

عند الحصول على المساعدة يصبح الإندماج أسهل:

سمع في حقيبة دنيا اليدوية موسيقى شرقية, هاتفها يرن : ” والدتي, يجب علي أن أذهب إلى الخارج, السوريون يتحدثون على الهاتف لمدة طويلة أي إلى إنتهاء شحن الهاتف.” قالت دنيا و هي تبتسم. من الصعب التصديق كيف تتحدث دنيا اللغة الألمانية بطلاقة. حصلت دنيا على مستوى باء 1 للغة الألمانية في فترة وجيزة أي سنة, كما صرحت دنيا بأن كان لكثير من الناس الفضل في إندماجها و الذين تعرفت عليهم في سكن الاجئين. ” إذا كان هناك شخص يساعدك مند البداية, فيمكنك الإندماج بسرعة, كما تتاح أمامك فرص لم تكن لتراها دون المساعدة.” هكدا صرحت دنيا. واحدة من هده الفرص كان مركز كاريتاس في جلدرنر. من خلال العمل التطوعي إستطاعت دنيا الحصول على فرصة لإكمال دورتها في الإندماج و تمكنت لاحقا من العمل بكاريتاس.

ومع ذلك فإنه يقع دنيا بصل من الصعب أن تصف نفسها بإنسانة مندمجة في المجتمع الألماني: ” الكل يعتبرونني مندمجة بشكل جيد مع المجتمع, إلا أنني لازلت أشعر بنفسي غريبة في هدا المجتمع.” وبالإضافة إلى ذلك فإن الإندماج في هدا المجتع كلمة مضحكة, لأنه: ” يتم نعتنا باللاجئين, كما نسمى بها مرارا وتكرارا من دون فهم حقا ما تعنيه في ألماني.” كما قالت دنيا: “ا لعديد من الهاربين يعتقدون أن عليهم التخلي عن هويتهم بالكامل أو التحول إلى ألمان. ” مع ذلك لديهم مخاوف على إخوانهم الذين لايزالون في حلب: ” نصف علئلتي لا تزال في حلب و النصف الثاني يحاول التأقلم في ألمانيا.” مع ذلك تحاول دنيا الإعتقاد أن ألمانيا أصبحت موطنها: ” سوف يستغرق هذا الإندماج وقتا طويلا و ربما أعواما و أجيالا حتى يتأقلم الاجئين مع المجتمع الجديد و هذا يحتاج صبرا طويلا من قبل السياسين و الأجانب و الألمان. ” هناك أيضا مخاوف الحكم القبلي: ” في كل مرة أسمع في الأخبار عن الهجمات الإرهابية، وأخشى أن المنفذ عربي.” بعد الهجمات في باريس وكولونيا في ليلة رأس السنة شعرت كيف يمكن الكره و الحقد على الأجانب في ألمانيا: ” حيث تم إتهامي في الشوارع بالمجرمة و المسلمة المتشددة, مع أنني ليس لي علاقة بهده المشاكل.” في صيف العام الماضي، عندما قتل مسلح يبلغ من العمر 18 عاما في ميونيخ تسعة أشخاص بالرصاص، كنت أصلى لكي لا يكون إرهابي إسلامي و يس لاجئا.” و رددت ” أنا أخشى أن يتحول فعل الفرد إلى كراهية عامة ضد المسلمين في ألمانيا قريبا, و أن أفقد الأمن الدي أنا بسببه هربت إلى ألمانيا.”

العودة إلى البلد الأم؟ سؤال يظل مفتوحا:

قالت لاريسا شيليك: ” لقد تلقيت للتو تأكيدا من شركة الطيران, يمكنك العودة بعد الغد, سوف تتم الرحلة.” مستشارة العودة في  كاريتاس مانهايم, جلست في المكتب أمام محمد ثم أعطته يدها حيث كانت تبدو إبتسامة عريضة على وجهه. ثم أعطى محمد يده للمستشارة قائلا: شكرا, شكرا, شكرا. وفيما يتعلق بمسألة كيف محمد سوف يستمر في بلده السابق أجاب محمد مترددا: ” لا أعلم في الصراحة, فيجب علي الفرار مرة أخرى, حيث أنه لايمكنني الرجوع هكذا, فقد فقدت كرامتي. لكن يمكنني أن أبدأ حياة جديدة مع عائلتي.” بعدها ودع محمد لاريسا و لوح لها مرة أخرى من بعيد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *